الشيخ حسن المصطفوي

299

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وأمّا مفهوم الصورة : فهو مأخوذ من اللغة العبريّة كما رأيت . * ( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ) * - 3 / 6 . * ( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ) * - 7 / 11 . * ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) * - 40 / 64 . فالتصوير بعد الخلق والتقدير والتكوين ، وهو تعيين الخصوصيّات الظاهريّة وجهة الشكل الظاهريّ من الجسم في قبال المادّة . وكما أنّ التكوين وخلق المادّة الأصلية في كلّ شيء من اللَّه تعالى وبقدرته وتدبيره وعلمه : كذلك التصوير وتعيين الجهات الظاهريّة والتدبير في الشكل والهيئة والنظم فيما يتراءى منه . وبالصورة تتحصّل فعليّة خصوصيّات المادّة ، ويتجلَّى ما في مكنونها ، فلا بدّ من التيام كامل وتناسب تامّ بينهما . * ( هُوَ ا للهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ ) * - 59 / 24 . الخلق مقام التقدير ، والبرء مقام التكوين ورفع النقائص ، وبعدهما مقام التصوير . الترتيب : يراد منه الترتيب والتقدّم الذاتي لا الزمانيّ . وكذلك يراد من الصورة : الصورة المنظورة المقصودة ، لا مطلق الصور المتحوّلة في جريان الخلق ، فانّ للمادّة في كلّ من تحوّلاتها صورة قهرا إلى أن تنتهي إلى صورة مقصودة منظورة نهائيّة . فهذه مراتب ثلاث في مقام التكوين ، وكلَّها تحت تدبير اللَّه تعالى وبيده ، ولا اختيار لأحد غيره ، ولا شريك له في هذا المقام ، يفعل ما يشاء بما يشاء على مقتضى علمه وحكمته التامّة ، ثمّ ينزّل الكتاب ويقرّر أحكاما وتكاليف للعباد على مقتضى ذلك التكوين ، ليوافق التشريع التكوين ، ويتحصّل الغرض المقصود . ولمّا كان التصوير هو المرتبة الأخيرة في التكوين ، فانّ بالصورة تتحقّق فعليّة الشيء وتظهر حقيقته وشيئيّته ، وبها تتمايز آثاره وخواصّه ، وبها يتمّ وجوده : فيكون هذا الاسم الشريف ( المصوّر ) في مقام عال من الأسماء الحسنى - . * ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) * .